الانتقال السياسي في السودان والاشتباكات الحدودية مع إثيوبيا
الانتقال السياسي في السودان والاشتباكات الحدودية مع إثيوبيا
29 آذار/مارس 2021
جهاد مشامون

إن الاشتباكات الحدودية بين القوّات السودانية والإثيوبية قائمة على سوء تقدير يهدد انتقال السودان نحو الديمقراطية.

في إشارة إلى تجدد التوترات بشأن منطقة فاشاغا، أعلنت وزارة الخارجية السودانية، في 14 شباط/فبراير 2021، أن "القوّات الإثيوبية عبرت إلى الأراضي السودانية في عمل عدواني." تصاعدت الاشتباكات الحدودية أكثر عندما حشدت عناصر من قوّات الدفاع الإثيوبية أسلحة ثقيلة لدعم ميليشيات الشفتة انتقامًا من استعادة القوّات المسلّحة السودانية لمنطقة فاشاغا.

يضع هذا التوتر الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في مأزق. وكانت قد أفادت تقارير أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد اتفق مع البرهان في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 على نشر القوّات المسلّحة السودانية لتهجير المزارعين الإثيوبيين من فاشاغا، المعترف بها كأراضي سودانية ولكن ليس لها حدود مرسومة. ولكن في كانون الثاني/يناير 2021، بعد أن أكملت عملياتها للسيطرة على ولاية تيغراي المضطربة في إثيوبيا، تحركت قوّات الدفاع الإثيوبية لمواجهة القوّات المسلّحة السودانية في فاشاغا، مدفوعة جزئيًا بالجانب العرقي للمزارعين الإثيوبيين النازحين. يواجه أحمد ضغوطًا من داخل حكومته لتأكيد السلطة الإثيوبية على فاشاغا أو للمطالبة بتعويض من السودان قبل الدخول في مفاوضات معها. نشر البرهان في البداية القوّات المسلّحة السودانية لزيادة مصداقيته محليًا وتولّي عملية انتقال السودان نحو الديمقراطية، لكن الفشل في توقع تدخل قوّات الدفاع الإثيوبية في النزاع هو سوء تقدير يهدد عملية الانتقال نفسها.

مصلحة القوّات المسلّحة

أصدر البرهان في كانون الأول/ديسمبر 2020 مرسومًا، ألغاه لاحقًا، يقضي بأنه سيقود مجلس شركاء الفترة الانتقالية تحت قيادة العسكر عملية الانتقال، ما يشير إلى رغبة القوّات المسلّحة في تولي مسؤولية الانتقال. كما يطمح البرهان إلى الرئاسة، والتي من شأنها أن تضمن الحصانة من الملاحقة القضائية المحلية لدوره كقائد عسكري نسّق العمليات في دارفور والتي أدت إلى الإبادة الجماعية في عام 2003. في مقابلة هاتفية في شباط/فبراير 2021، أكد نزار عبد العزيز من الجبهة الوطنية العريضة المعارضة، إنه عززت كل من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أيضًا هذه الطموحات من خلال تشجيع البرهان على اعتقال أو عزل الضباط المنافسين له داخل القوّات المسلّحة.

إن ارتباط البرهان وغيره من كبار الضباط بالرئيس السابق عمر البشير يعيق هذه التطلعات. فبعد أن أفرغت قوّات الأمن ساحة الاحتجاج في الخرطوم في 3 حزيران/يونيو 2019، بدأ السكان يرون أن هذه القوّات لا تختلف عن البشير. كما أثار التردد في تحويل الشركات العسكرية إلى الرقابة المدنية الشكوك في أن القوّات المسلّحة لا تريد تسليم مقاليد السلطة، لأن هذه الشركات التي يزيد عددها عن 200 شركة معفاة من الضرائب في وقت أدى فيه التضخم إلى شل مستوى المعيشة في السودان.

في محاولة لاكتساب المصداقية على المستوى المحلي، استند البرهان وغيره من كبار الضباط إلى دعم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك والمدنيين في المجلس الأعلى لاستعادة فاشاغا. يبدو أن هؤلاء المدنيون يرغبون في إنهاء هجمات ميليشيات الشفتة على السودان من خلال فرض اتفاقية عام 2008 مع إثيوبيا والتي اعترفت فيها الأخيرة بمطالب السودان الإقليمية وسيدتها على فاشاغا. جماعة الأمهرة العرقية، التي تشكل قاعدة الدعم الرئيسة لآبي أحمد في إثيوبيا والتي كانت مهمة للعمليات في تيغراي، لا تعترف بهذه الاتفاقية لأنه تم التوقيع عليها سرًا من قبل ملس زيناوي، رئيس الوزراء السابق ورئيس جبهة تحرير شعب تيغراي. 

الخروج عن السيطرة

 في البداية، نظرت القوّات المسلّحة السودانية إلى الاشتباكات مع ميليشيات الشفتة على أنها معركة سريعة يمكن الفوز بها ومن شأنها أن تحشد دعم السودانيين، بينما كانت قوّات الدفاع الإثيوبية متورطة في تيغراي. وبحسب مقابلة هاتفية أجريت في شباط/فبراير 2021 مع أحد معارضي نظام البشير السابق، في حين أن البرهان أبرم اتفاقًا مع أحمد، لم تتوقع القوّات المسلّحة السودانية حربًا مع إثيوبيا لأنها اعتبرت قوّات الدفاع الإثيوبية قوة شبه عسكرية، وليست قوّات تقليدية مثل القوّات المسلّحة السودانية. اعتقدت القوّات المسلّحة السودانية أن تحقيق نصر سريع سوف يكسبها مصداقية بسبب حماية منطقة يعتبرها السودانيون عزيزة عليهم. لكن الخطة تحولت إلى سلسلة من الاشتباكات الحدودية، ما يثبت أن هذا الهدف غير قابل للتحقيق.

في الواقع، يمكن أن تؤدي الاشتباكات إلى حرب لا يستطيع اقتصاد السودان المُدّمر دعمها. يقدّر حمدوك أن اقتصاد السودان يحتاج إلى 10 مليارات دولار للتعافي، نتيجة عقود من حكم النظام السياسي السابق الذي سخر معظم موارد البلاد لهزيمة الجماعات المسلّحة في محيط السودان. خططت الحكومة المدنية في البداية لإنهاء الحروب الأهلية في السودان لتحويل 80 في المئة من تمويل القوّات المسلّحة إلى الاقتصاد. وبما أن الحرب ستُبقي هذه الأموال في أيدي القوّات المسلّحة، فإنها تهدد قدرة حكومة حمدوك على إصلاح الاقتصاد. بالإضافة إلى ذلك، شن أنصار البشير حملة من النهب والعنف لتشويه سمعة الحكومة المدنية وتشجيع انقلاب عسكري.

من المحتمل جدًا أن تنقل القوّات المسلّحة السودانية عبء تصعيد الاشتباكات إلى الحكومة المدنية. وهذا من شأنه أن يسمح للقوات المسلحة السودانية بتجنب تحمل المسؤولية عن سوء التقدير، لكنه سيضيف أيضًا إلى التحدي المتمثل في قيادة عملية الانتقال ويشجع القوّات المسلّحة السودانية على مواصلة تقويض هذه العملية.

 

جهاد مشامون محلل سياسي للشؤون السودانية ويساهم بشكل متكرر في تقرير أفريقيا وأفكار الحجج-المناظرات الأفريقية.


 
آخر التغريدات


تواصل معنا