الخدمة الوطنية بتونس
الخدمة الوطنية بتونس
محمود المزوغي

لجعل مشروع قانون الخدمة الوطنية أكثر فعاليةً لا بد من إجراء تعديلاتٍ في مدةِ وسنِ الخدمة واستبعادٍ لأشخاص من ذوي السوابق العدلية. 


على خلاف أساليب التجنيد المعتمدة في العديد من الدول الأوروبية والأمريكية التي انتهجت نظام الاحتراف العسكري التطوعي، فإن الجمهورية التونسية واصلت تطبيق نظام التجنيد الإجباري. و سبب هذا الاختيار هو الاعتقاد بأن الخدمة العسكرية هي واجب مقدس ينسحب على كل المواطنين على حد السواء، وهي أيضًا مناسبة لتلقين الشباب الحس الوطني ومبادئ الأخلاق الحميدة واحترام القانون والانضباط. وقد ترسخ هذا الاختيار في العديد من القوانين المنظمة له منذ نشأة القوات المسلحة عام 1956، وآخرها
القانون رقم 1 لعام 2004 المتعلق بالخدمة الوطنية.


وإن كان هذا القانون جيدًا من الناحية النظرية، إلا أنه على المستوى العملي، لم توفق القوات المسلحة التونسية في العقدين الأخيرين في تطبيقه بصفة عادلة على كل المواطنين، وذلك لأن الزاد البشري المتوفر بالمجتمع التونسي كل عام أصبح يفوق كثيرًا احتياجات الجيوش من المجندين. وقد أدى ذلك إلى
عزوف الشباب عن تلبية الدعوة لأداء الخدمة العسكرية، مما أضر بسير العمل داخل الوحدات. وقد لوحظ أنه في السنوات الأخيرة، لم يتقدم تلقائيًا أكثر من 500 شاب وشابة لمراكز التجنيد من بين أكثر من 30000 يتم استدعاؤهم كل عام. وهو ما يمثل 1.65 في المئة فقط من إجمالي المستدعين.

الحل في تنقيح مشروع القانون 

وسعيًا إلى إيجاد حل لهذه المعضلة، تولت وزارة الدفاع التونسية منذ حوالي عامين التقدم بمشروع قانون جديد لمجلس نواب الشعب لاستبدال قانون 2004 الذي صعب تطبيقه. وقد احتوى هذا المشروع على بعض الإجراءات الإيجابية من بينها:

  • المحافظة على الخدمة العسكرية الإجبارية.
  • ربط إتمام الخدمة العسكرية بالأولوية في الانتداب للوظيفة العمومية بعد إنهاء الخدمة.
  • مبدأ المساواة بين الجنسين من خلال زيادة تدريجية في نسبة المجندات.


قد تذلل هذه الإجراءات والحوافز بعض الصعوبات التي أدت إلى امتناع الشباب عن الخدمة العسكرية، لكنها لا تحل أصل المشكلة على الإطلاق، لأن القضية الرئيسة لعزوف الشباب لا تكمن في الواقع في قصور القانون القديم، بل تتمثل في عدم وجود رغبة سياسية أو آليات مناسبة لتطبيقه.


والدليل على ذلك أنه وفقًا لتعداد المعهد الوطني للإحصاء لعام 2014، يبلغ في تونس حوالي
160 ألف شاب وشابة سن التجنيد كل عام. وبعد استثناء جميع المعفيّين من الخدمة العسكرية بشكل دائم أو مؤقت للأسباب القانونية المعتمدة، مثل الحالة الصحية، والالتحاق بالتعليم، والتكفل بشؤون الأسرة، فإن الموارد البشرية المتاحة للخدمة الوطنية تقدر بحوالي 100 ألف مواطن سنويًا. فهل سيكون لدى الدولة الإرادة السياسية والآليات الإدارية والمالية واللوجستية المناسبة لاحتواء هذا العدد الهائل من الشباب والشابات في الخدمة الوطنية؟

 إجراءات مقترحة

هذا إذن هو جوهر القضية، وهذا ما يجب إيجاد الحلول التطبيقية الضرورية له، لأن أي قانون، بغض النظر عن جودته، لا يتم تقييمه إلا من خلال قابليته للتطبيق. إن الحل الأنسب لجعل مشروع القانون المذكور قابلًا للتطبيق هو اعتماد إجراءات تمكن من التقليص من عدد المواطنين المطالبين قانونيًا بأداء الواجب العسكري كل عام حتى يصبح الزاد البشري المتوفر متطابقًا مع عدد الشبان والشابات الذين يمكن للمؤسسة العسكرية استيعابهم فعليًا. ومن بين هذه  الإجراءات يمكن اعتماد التعديلات التالية:

  • التقليص من مدة الخدمة من 12 شهرًا إلى 9 أشهر لكل حصة، حتى يتمكن الجيش من تجنيد عدد أكبر من الشبان والشابات كل عام.
  • تحديد سن المطالبين بالتجنيد من 20 إلى 25 سنة عوضًا عن من 20 إلى 35 سنة المطبق حاليًا، مع الإبقاء على الإعفاءات القانونية الحالية. هذا الحصر من شأنه أن يقلص من الزاد البشري الذي يتوفر للخدمة كل عام، ويمكّن بالتالي من استيعاب كل المطالبين بالخدمة. هذا إلى جانب أن هذه الفئة (ما بين 20 إلى 25 سنة) تشمل في أغلبها الشبان والشابات الذين لم يمروا إلى التعليم العالي، والذين قد يكونون أيضًا من العاطلين عن العمل. فتجنيدهم وتلقينهم التكوين العسكري وبعض المهارات في اختصاصات فنية، يؤهلهم لحياة مهنية أفضل ويجعل منهم رصيدًا مهمًا للقوات المسلحة كجيش احتياط.
  • استبعاد كل الأشخاص الذين حُكم عليهم بعقوبة سجنية نّافذة لمدّة تفوق 6 أشهر ولم يحصلوا على رد اعتبار من الخدمة. وهذا يجعل المؤسسة العسكرية بمنأى عن الأخطار المحتملة من تجنيد مثل هذه الشريحة.


يبقى موضوع الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 25 سنة والذين استفادوا من الإعفاء المؤقت لأحد الأسباب المنصوص عليها بالقانون. فهؤلاء هم في الغالب الأشخاص الحائزون على الشهادات الجامعية والذين دخلوا سوق العمل. فهم في الواقع غير معفين تمامًا من الخدمة، بل يمكن استدعاؤهم حسب الحاجة والإمكانيات لأداء واجبهم العسكري حتى سن الـ 35.

مزايا التعديلات المقترحة

بالرغم من طابعها الانتقائي في بعض الجوانب، فإن هذه الإجراءات تتميز ببعض الجوانب الإيجابية على المستوى العملي التي تساعد على تطبيق القانون على المواطنين بصفة عادلة وتحد من ظاهرة التهرب من أداء الواجب الوطني.


وعلى هذا الأساس فالدعوة موجهة
 إلى وزارة الدفاع الوطني واللجان ذات الصلة في مجلس نواب الشعب لإجراء التعديلات  المناسبة في مشروع القانون الجديد لجعله أكثر فاعلية، إذ أن أي قانون لا يكون مجديًا إلا عندما يكون قابلًا للتطبيق. هذا علاوةً على أن الشعب التونسي يريده قانونًا يحقق العدل والمساواة بين كل المواطنين دون استثناء. 

 

محمود المزوغي عميد متقاعد بالجيش التونسي ورئيس جمعية التونسية للعسكريين المتقاعدين.



 
آخر التغريدات


تواصل معنا