أمن الحدود المُشتِّت للانتباه في مصر
أمن الحدود المُشتِّت للانتباه في مصر
دعاء النخالة

تأخذ الاستراتيجية المصرية لأمن الحدود المتوترة عسكريًا في الاعتبار تفضيلات المانحين ولكنها تتجاهل المشاكل الداخلية المُلحة المتمثلة في البطالة والفقر والحريات المقيدة، ما يؤدي إلى معضلة في العلاقات بين القوّات المسلّحة والمجتمع.



أعلنت القوّات المسلّحة المصرية في أيلول/سبتمبر 2019 عن استكمال نظام مراقبة متنقل بقيمة 64 مليون دولار لتأمين حدودها، وهي إحدى الخطوات العديدة التي اتخذتها القوّات المسلّحة المصرية في هذا المجال. بالنظر إلى حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها الدول المجاورة لمصر، فإن مثل هذه الإجراءات متوقعة، ولكنها تشير أيضًا إلى زيادة الاعتماد على المساعدات الدولية. من المرجح أن يرضي التركيز على أمن الحدود الحلفاء من دول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة، لكنه يتجاهل المشاكل المحلية المُلحة مثل البطالة وتقييد الحريات ومعدلات الفقر المتزايدة. تخلق هذه الدينامية معضلة في العلاقات بين القوّات المسلّحة والمجتمع: لدى الحكومة التي تقودها المؤسسة العسكرية الحافز للقمع من أجل الحفاظ على الاستقرار، ما يجعلُ من الصعب حلّ المشاكل الداخلية المُلحة التي تُحدِث الشق بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، ويجعل عدم الاستقرار أكثر احتمالًا.

المساعدات وأمن الحدود

استفادت مصر لفترة طويلة من المساعدات العسكرية الأمريكية والتعاون في مجال أمن الحدود مع إسرائيل، ونوّعت شراكاتها الدولية لتشمل الصين وفرنسا ودول الخليج وإيطاليا وروسيا. يخلق اعتماد مصر على المساعدات الدولية دافعًا لتركيز الجهود على عدم الاستقرار في المناطق الحدودية، حيث تمثّل هذه القضية أولوية لدى الجهات المانحة. وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أنّ "مصر لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة أية تحركات تشكل تهديدًا مباشرًا قوّيًا للأمن القومي ليس المصري والليبي فقط وإنما العربي والإقليمي والدولي،" وأشادت الخارجية الأمريكية بالمبادرات المصرية في ليبيا.

 

كما يسود انعدام الأمن بالقرب من الحدود المصرية مع قطاع غزة، والتي يبلغ طولها 12 كيلومترا، بسبب وقوع هجمات إرهابية في سيناء وتهريب أسلحة إلى قطاع غزة عبر أنفاق تحت الأرض. وقد أبقت مصر هذه الحدود مغلقة بإحكام منذ وصول السيسي إلى السلطة، وضغطت إسرائيل على الحكومة الأمريكية للإفراج عن المُساعدات العسكرية لمصر التي تم تعليقها بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في عام 2013. ونتج عن التنسيق المصري مع إسرائيل شنّ غارات جوية إسرائيلية في سيناء وبدأت القوّات المسلّحة المصرية ببناء جدار اسمنتي على طول الحدود. ويبدو أن الأمن على الحدود مع قطاع غزة، كما هو الحال على الحدود مع ليبيا، مرتبط أيضًا بالمساعدات الخارجية.

مشاكل داخلية مُلحة 

تزامن تحصين القوّات المسلّحة المصرية للحدود مع تدهور الظروف المعيشية على طول نهر النيل. ظاهريًا، ارتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي بعد أن وقّعت مصر على برنامج إصلاحي خاص بصندوق النقد الدولي في عام 2016، ووصل إلى 5.5 في المئة بنهاية عام 2019، مع انخفاض التضخم إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات، واتجاه عجز الدَين العام والموازنة نحو الانخفاض. ومع ذلك، ارتفعت معدلات الفقر والبطالة وتكاليف المعيشة، ما شجّع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في عامي2019 و2020. وقامت الحكومة بقمع المتظاهرين بدلًا من معالجة القضايا التي دفعتهم أصلًا إلى النزول إلى الشوارع. حدثت هذه الاحتجاجات على الرغم من الاعتقالات الواسعة وحظر التجمعات غير المصرح بها.

ومع ذلك، استمرت المُساعدات في التدفق، على الرغم من قمع المجتمع المدني وقمع المعارضة السياسية. دعت الحكومة الأمريكية إلى إلغاء أو تعديل النظام القانوني القمعي في مصر بشأن المنظمات غير الحكومية، وعلّقت المساعدات، لكنها أفرجت عنها في نهاية الأمر. يشير هذا إلى أن المُساعدات الأمريكية ليست مشروطة حقًا بحماية الحريات المدنية.

دينامية مُشتِّتة للانتباه 

إنّ تركيز الولايات المتحدة وغيرها من مقدمي المساعدات الدولية على دور مصر في الاستقرار الإقليمي يخلق دينامية مُشتِّتة للانتباه، تشجع الحكومة على تعزيز أمن حدودها على حساب إيجاد حلّ للتحديات الداخلية المُلحة. إنّ وجود المشاكل التي تؤثر على الغرب — مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية والتهريب — يجعل الجهات المانحة مُهتمة بأمن الحدود، بينما يهتم صُناع القرار المصريون بالعلاقات الجيدة مع المانحين والتمويل المستمر والاعتراف بمحورية دور مصر في الاستقرار الإقليمي.

تشكل هذه الدينامية المُشتِّتة للانتباه معضلة للعلاقات بين المؤسسة العسكرية المصرية والمجتمع. إنها تدفع القضايا الداخلية المُلحة إلى أسفل قائمة الأولويات وتخلق حافزًا للحكومة لاستخدام القمع المادي والقانوني ردًا على المطالب بإيجاد حلول لهذه المشاكل. إنّ استمرار تدفق المساعدات الدولية إلى مصر يبث رسالة غير مباشرة إلى إدارة السيسي مفادُها: إن مصر مُهمّة جدًا للجهات المانحة بحيث يتعذر إيقاف المُساعدات بالرغم من الممارسات القمعية. إحدى النتائج المُحتملة هي أنّ القمع سيؤدي بدوره إلى إبعاد الحكومة التي تقودها المؤسسة العسكرية عن المجتمع المصري الأوسع، وهي معضلة عسكرية مدنية تجعل من الصعب حَلّحلّة هذه التحديات المحلية المُلحة.

 

دعاء النخالة باحثة في برنامج العلاقات العسكرية المدنية في الدول العربية في مركز مالكوم كير—كارنيغي للشرق الأوسط. شغلت سابقًا مناصب في الجامعة التقنية في دلفت وجامعة جورج واشنطن وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن.



 
آخر التغريدات


تواصل معنا